عبد الملك الجويني

234

الشامل في أصول الدين

يتحرك بحركات ينشئها اللّه . وهذا بناء منا على منع التولد . وإن قدرنا القول بالتولد ، فليس فيما ذكره مستروح . فإن القائلين بالتولد لا يقولون إن حركة القطب تولد حركة الرحا ، بل المولد لحركة الرحا اعتماد القطب على أجزائه ، ثم لا بعد في أن يولد الاعتماد حركات . فهذا نحو اعتماد المرء على الحجر في الرمي ، وسنبسط القول في ذلك . وليس ثم نقول : أقصى ما تمسكت به وجوب مناسبة أجزاء الجسم إذا هزّ ، وليس الأمر كذلك ، إذ يهتز طرف من العمود العظيم فيهتز ، وطرفه الآخر راسخ غير مهتز والذي يوضح الحق في ذلك أنه لم يبعد من النظام أن يفرق بين طرف الرحا وقطبه في تصوير طفرات الطرف على وجه ، عدم تصويرها في القطب على ذلك الوجه ، فلا يبعد من خصمه الفصل في الحركات كما فعل هو في الطفرات . فلو قال : أرأيتم لو تحرك القطب أسرع الحركات وانتفت عنه الفرات ، أليس يقطع القطب دائرته في هذه الصورة ويقطع طرف الرحا دائرته ، والمسألة مفروضة في أسرع الحركات ، فيلزم من ذلك أن يقطع الطرف أكثر مما يقطعه القطب من غير تفاوت في الزمان وفترة في القطب . وهذا الذي قاله ممنوع غير متقبل . ولو تصور القطب على أسرع الحركة ، لما دار معه من الرحا إلا قدره وينقطع عنه الباقي فلم يدر بدورانه . وقد نجد قريبا من ذلك في المحسوس ، فإن القطب إذا اشتد جريه ، فربما تتدكدك له الرحا ، أو ينتبذ من مركز القطب ، فسقط ما موّه به . ومما تمسك به النظام أن قال : إذا انتظم جوهران وجوزنا جوهرا على متصلهما ، فلا بد من الاعتراف بالتجزي عند ذلك ، إذ الجوهر الواقع على المتصل ليس على أحد الجوهرين دون الثاني . ولا سبيل إلى أن نقول : إنه على كل واحد من الجوهرين ، إذ في المصير إليه تجويز شغل جرم بجرمين ، وذلك مستحيل . فلم يبق إلا أن يكون بعضه على بعض أحد الجوهرين ، وبعضه على جزء من الثاني ، وهذا تصريح بالتجزئة . واعلموا أن ذلك مما اختلف فيه الجبائي وابنه ، وتردد فيه أئمتنا . فالذي صار إليه الجبائي منع ذلك . والمصير إلى أن الجوهر لا يقع على متصل جوهرين ، وإنما يقع على أحدهما . وأجاز أبو هاشم وقوع جوهر على متصل جوهرين . ودليل الجبائي ما ذكرناه في سؤال النظام ، فأغنانا عن إعادته . وقال أبو هاشم : لا امتناع في وقوع جوهر على متصل جوهرين ، كما لا امتناع في إحاطة ستة من الجواهر بالجوهر الواحد ، والمجوز لهما أمر واحد . وذلك أن الجوهر ، وإن